ابن الجوزي

46

صيد الخاطر

نظرة لم تناظر « 1 » ، وأحق الأشياء بالضبط والقهر اللسان والعين ، فإياك إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى ، مع مقاربة الفتنة ، فان الهوى مكايد ، وكم من شجاع في صف الحرب اغتيل ، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر اليه ، واذكر حمزة مع وحشي : فتبصر ولا تشم كل برق * رب برق فيه صواعق حين « 2 » واغضض الطرف تسترح من غرام * تكتسي فيه ثوب ذل وشين فبلاء الفتى موافقة النفس * وبدء الهوى طموح العين 6 - في عقوبة العلماء أعظم المعاقبة أن لا يحس المعاقب بالعقوبة ، وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة ، كالفرح بالمال الحرام ، والتمكن من الذنوب . ومن هذه حاله لا يفوز بطاعة . وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسون بها ، ومعظمها من قبل طلبهم للرئاسة . فالعالم منهم يغضب ان رد عليه خطؤه ، والواعظ متصنع بوعظه ، والمتزهد منافق أو مراء . فأول عقوباتهم ، إعراضهم عن الحق شغلا بالخلق ، ومن خفيّ عقوباتهم سلب حلاوة المناجاة ، ولذة التعبد . إلا رجال مؤمنون ، ونساء مؤمنات ، يحفظ اللّه بهم الأرض ، بواطنهم كظواهرهم بل أجلى ، وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلى ، وهممهم عند الثريا بل أعلى ، إن عرفوا تنكروا ، وإن رئيت لهم كرامة أنكروا . فالناس في غفلاتهم ، وهم في قطع فلاتهم ، تحبهم بقاع الأرض ، وتفرح بهم أملاك السماء . نسأل اللّه عز وجل التوفيق لاتباعهم ، وأن يجعلنا من أتباعهم . 7 - في علو الهمة من علامة كمال العقل ، علو الهمة والراضي بالدون دني : ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام

--> ( 1 ) أي لم تمهل . ( 2 ) شام البرق يشيمه نظر اليه يرى أين يمطر . والحين الهلاك .